لم تكن السينما المصرية، وفق ما يورده التقرير، مجرد ترفيه وصناعة نجوم، بل تحولت عبر عقود إلى منصة لطرح قضايا تمس المواطنين، وصولًا إلى أعمال ارتبطت بتغييرات تشريعية أو إدارية، وأخرى ساهمت في تغيير نظرة المجتمع وإعادة التفكير في مفاهيم كانت راسخة.
وتناول عدد من الأفلام ملفات شديدة الحساسية مثل حقوق المرأة وقضايا الأسرة والأحداث وحقوق السجناء والزيادة السكانية والبيروقراطية والتحرش والتمييز في تطبيق القانون، لتصبح هذه القضايا موضوعًا للنقاش العام.
أمثلة لأفلام ناقشت قضايا قانونية واجتماعية
يعد فيلم «جعلوني مجرمًا» الذي عُرض عام 1954 من أبرز النماذج المبكرة التي ناقشت قضية اجتماعية وقانونية. وتدور قصته حول الطفل سلطان الذي يفقد والده، ثم يستولي عمه على ثروته ويتركه يواجه مصيره، قبل أن ينتهي به الأمر إلى دخول إصلاحية الأحداث. وبعد خروجه يحاول بدء حياة جديدة والبحث عن عمل شريف، لكن وجود سابقة في صحيفته الجنائية يغلق أمامه أبواب العمل.
وبحسب مصادر تناولت أثر الفيلم، ارتبط عرضه بصدور قانون يعفي من السابقة الأولى في الصحيفة الجنائية، بما يسمح للمخطئ ببدء حياة جديدة دون أن تظل السابقة عائقًا طوال حياته.
وفي فيلم «أريد حلًا» المعروض عام 1975، الذي قامت ببطولته فاتن حمامة ورشدي أباظة، تنتقل الدراما إلى معاناة المرأة في الحصول على الطلاق. وتدور الأحداث حول «درية» التي تستحيل حياتها الزوجية فتقرر اللجوء إلى القضاء للحصول على الطلاق، لتواجه لاحقًا إجراءات معقدة واستغلالًا لبعض الثغرات القانونية لإطالة القضية، إضافة إلى شهود زور.
ويشير التقرير إلى أن الفيلم ارتبط بالنقاشات التي سبقت تغييرات مهمة في قوانين الأحوال الشخصية وصولًا إلى قانون الخلع، ومنح الزوجة طريقًا قانونيًا لإنهاء الزواج مقابل التنازل عن بعض حقوقها المالية ورد المهر وفقًا للقانون. كما تؤكد مصادر صحفية أن الفيلم كان من الأعمال المؤثرة في إثارة هذا النقاش، دون اعتباره السبب المباشر الوحيد في صدور القانون.
أما داخل السجون، فيقدم فيلم «كلمة شرف» عام 1973 بطولة فريد شوقي ونور الشريف وأحمد مظهر وهند رستم وإخراج حسام الدين مصطفى. وتدور الأحداث حول «سالم» الذي يدخل السجن بسبب جريمة لم يرتكبها؛ إذ حاول حماية فتاة من الفضيحة بعد تورط شقيق زوجته في علاقة معها، وانتهت محاولة إجهاضها بوفاتها. ويتحمل سالم المسؤولية ويُسجن بينما تعتقد زوجته أنه خانها.
ويرتبط الفيلم -بحسب التقرير- بتعديل قواعد الزيارات الإنسانية للسجناء بما يسمح بمراعاة ظروف استثنائية مثل الحالات المرضية والظروف العائلية.
الزيادة السكانية والبيروقراطية والتحرش والتمييز
وفي عام 1977 قدمت فاتن حمامة ومحمود ياسين وفريد شوقي فيلم «أفواه وأرانب» من إخراج هنري بركات، ليضع قضية الزيادة السكانية في قلب الدراما الاجتماعية. وتدور الأحداث في بيئة ريفية حول أسرة كبيرة العدد وما يترتب على كثرة الأبناء من أعباء اقتصادية واجتماعية خاصة مع محدودية الموارد.
ويؤكد التقرير أن أهمية الفيلم لم تكن في تقديم أرقام أو شعارات عن تنظيم الأسرة، بل في تحويل القضية إلى حياة يومية أمام المشاهد: ضيق موارد وأطفال يحتاجون إلى الرعاية وفقر يجعل تلبية الاحتياجات الأساسية صعبة.
وبزاوية مختلفة عن المأساة الأسرية، لجأ فيلم «الإرهاب والكباب» إلى الكوميديا السوداء لانتقاد البيروقراطية والروتين الحكومي. وتدور أحداثه حول مواطن يذهب إلى مجمع المصالح الحكومية لإنهاء إجراء بسيط لكنه يجد نفسه غارقًا في تعقيدات وروتين قبل أن تتطور الأحداث بصورة غير متوقعة.
ومن الأفلام الحديثة التي تناولت قضية اجتماعية حساسة فيلم «678» المعروض عام 2010 وبطولة نيللي كريم وبشرى وماجد الكدواني وناهد السباعي وكتابة وإخراج محمد دياب. ويعرض الفيلم ظاهرة التحرش الجنسي عبر قصص ثلاث نساء ينتمين إلى طبقات اجتماعية مختلفة يواجهن المشكلة نفسها، مع التركيز -بحسب التقرير- على الأبعاد النفسية والاجتماعية وتأثيرها على الضحايا وحالة الصمت والخوف المحيطة بها.
ويشير التقرير إلى أن طرح القضية بهذا الشكل زاد مساحة النقاش العام حول التحرش، مع التأكيد على عدم اختزال التغيير التشريعي الخاص بالتحرش في الفيلم وحده، معتبرا أن «678» كان أحد الأعمال التي ساهمت في رفع الوعي بالقضية ودفعها إلى مساحة أوسع من النقاش العام.
وفي سياق التمييز القانوني قدم فيلم «عفوًا أيها القانون» عام 1985 بإنتاج إيناس الدغيدي وبطولة نجلاء فتحي ومحمود عبد العزيز وفريد شوقي. ويناقش الفيلم اختلاف التعامل القانوني مع الرجل والمرأة في جرائم القتل المرتبطة بالخيانة الزوجية عبر قصة امرأة تكتشف خيانة زوجها لها وتقدم على قتله.
كما طرح الفيلم -وفق التقرير- سؤالًا مباشرًا حول مدى العدالة في التعامل مع الجريمة عندما يرتكبها رجل أو امرأة وحول تأثير مفاهيم اجتماعية مثل «الشرف» على تطبيق القانون، مع التأكيد أن نقطة تأثيره الأهم كانت فتح مساحة للنقاش حول المساواة أمام القانون.
حقوق المرأة داخل مؤسسة الزواج وقضايا العمل
ومن الأعمال التي تناولت العلاقة بين الرجل والمرأة فيلم «آسفة أرفض الطلاق» بطولة ميرفت أمين وحسين فهمي. ويطرح الفيلم -بحسب التقرير- معاناة الزوجة التي تفاجأ برغبة زوجها في الانفصال بعد سنوات من الزواج، لتبدأ رحلة صراع حول حق الزوج في اتخاذ قرار الطلاق ومدى قدرة الزوجة على الاعتراض عليه.
ويرى التقرير أن الفيلم ساهم في طرح سؤال اجتماعي وقانوني مهم حول حقوق المرأة داخل مؤسسة الزواج وفتح النقاش حول مدى التوازن بين حقوق الطرفين.
كما لم تقتصر السينما الاجتماعية على قضايا الأسرة والقانون، بل ناقشت -وفق التقرير- قضايا العمل وحقوق الفئات المهمشة. ومن أبرز النماذج فيلم «باب الحديد» ليوسف شاهين عام 1958 الذي جمع بين الدراما الاجتماعية والنفسية داخل أجواء محطة قطارات القاهرة وعمال حمل الأمتعة والمسافرين.
ويتناول الفيلم عالم عمال المحطة ومحاولات تنظيمهم والدفاع عن حقوقهم، بما يجعل بيئة العمل جزءًا أساسيًا من أحداثه. ويؤكد التقرير أن العمل منح فئة بسيطة من العمال مساحة على الشاشة وأظهر أن قضايا العمل والحقوق الاجتماعية يمكن أن تكون مادة سينمائية تحمل أبعادًا إنسانية وسياسية واجتماعية.
ويخلص التقرير إلى أن تأثير السينما لا يمكن قياسه فقط بعدد القوانين التي تغيرت بسبب فيلم بعينه، لأن التأثير الحقيقي قد يبدأ من مكان آخر وهو وعي الجمهور؛ إذ تنتقل القضية من كونها مشكلة تخص أشخاصًا محددين إلى قضية يعرفها ويتناقش حولها قطاع واسع من المجتمع.