بمناسبة الاحتفال باليوم المصري للموسيقى، الذي يوافق 15 سبتمبر من كل عام بالتزامن مع ذكرى رحيل فنان الشعب سيد درويش، تستعيد الموسيقى المصرية أسماء بارزة امتد تأثيرها إلى تغيير شكل الأغنية والموسيقى وفتح مسارات جديدة أمام الأجيال اللاحقة.
وتشير المادة إلى أن الموسيقى المصرية، على مدار أكثر من قرن، مرت بتحولات متتالية كان وراءها موسيقيون وملحنون امتلكوا القدرة على التجديد عبر إعادة صياغة التراث أو الاستفادة من الموسيقى الغربية أو تطوير الأغنية الشعبية أو نقل الموسيقى إلى السينما والتأليف الموسيقي المستقل.
وتقدم المادة سيد درويش بوصفه أحد أهم الأسماء المرتبطة بفكرة التحول في الموسيقى المصرية، إذ خرج بالموسيقى من القوالب التقليدية واقترب بها من الحياة اليومية والشارع المصري، لتصبح الأغنية أكثر قدرة على التعبير عن المجتمع وتفاصيله. وتشير إلى أن تجديده شمل موضوعات الأغاني وطريقة التعبير عنها، وأن ألحانه وعلى رأسها «بلادي بلادي» أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية المصرية.
وتنتقل المادة بعد ذلك إلى محمد القصبجي، الذي واصل رحلة التجديد «من داخل بنية الموسيقى نفسها»، عبر تطوير أشكال الغناء التقليدي مثل الدور والطقطوقة، والاهتمام بالموسيقى الآلية والتخت الشرقي، والسعي لتوسيع إمكانات الفرقة الموسيقية. كما تذكر أنه أدخل آلات غربية إلى التخت وقدّم مع أم كلثوم مجموعة من الألحان التي كشفت عن قدرته على الجمع بين الأصالة والتجديد.
وتعرض المادة محمد عبد الوهاب كمرحلة أخرى للتجديد، عبر توسيع حدود الموسيقى المصرية بالاستفادة من الموسيقى الغربية وإدخال آلات وأساليب جديدة إلى الأغنية العربية. وتوضح أن تأثيره امتد إلى التوزيع وبناء الجملة اللحنية وشكل الفرقة المصاحبة للمطرب، وأن لقاءه الفني مع أم كلثوم في «أنت عمري» عام 1964 جاء ضمن تجربة طويلة في التجديد.
أما رياض السنباطي فتقدمه المادة بتوجه مختلف نسبيًا، إذ طوّر إمكانات الموسيقى الشرقية من داخلها محافظًا على مكانة المقام واللحن العربي ومنحها مساحات واسعة للتعبير. وترتبط تجربته خصوصًا بالقصيدة والأغنية الطربية، وتذكر أن تعاونه مع أم كلثوم من أبرز التجارب التي حافظت على تقاليد الطرب العربي مع تطوير البناء اللحني ومنحه عمقًا ومساحات موسيقية واسعة.
وتعرض المادة محمد فوزي بوصفه تجربة مختلفة وتأثيرًا في تاريخ الموسيقى المصرية، مشيرة إلى أنه لم يكن مجرد مطرب وملحن، بل صاحب رؤية متقدمة في التعامل مع الأغنية وصناعة الموسيقى. وتقول إن فوزي تميز بخفة ألحانه ومرونتها وقدرته على تقديم أشكال متنوعة من الأغنية بين العاطفية والشعبية والوطنية، مع الاعتماد على إيقاعات وأفكار موسيقية اتسمت بالحيوية والبساطة والقدرة على الوصول للجمهور. كما تذكر أنه تعامل مع الموسيقى باعتبارها صناعة متكاملة، وأسّس شركة «مصر فون» عام 1958 لتسجيل وإنتاج وتوزيع الموسيقى في مصر.
وبحسب المادة، ومع الخمسينيات والستينيات ظهرت موجة جديدة من التجديد ارتبطت بأسماء مثل محمد الموجي، الذي ارتبط بأصوات كبيرة بينها أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وشادية ونجاة ووردة. وتوضح المادة أن ألحانه ساعدت على تغيير شكل الأغنية المصرية عبر جمل لحنية أكثر رشاقة وقربًا من روح العصر.
كما تربط المادة كمال الطويل بالأغنية المصرية الحديثة خصوصًا من خلال تعاونه مع عبد الحليم حافظ، وتذكر أنه قدم عددًا كبيرًا من الأغنيات العاطفية والوطنية وجعل اللحن جزءًا من التعبير عن اللحظة الاجتماعية والسياسية.
وتقدم المادة بليغ حمدي كتجربة مؤثرة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، مشيرة إلى أنه استفاد من الموسيقى والإيقاعات الشعبية المصرية وأعاد تقديمها في ألحان حديثة تناسب أصوات كبار المطربين ومن بينهم أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وشادية ووردة. وتقول إن قدرته على الجمع بين روح الشارع المصري والبناء الموسيقي الحديث كانت سببًا في استمرار تأثيره.
وتشير المادة إلى أن تجربة عمر خيرت نقلت مسار التجديد إلى مساحة مختلفة هي التأليف الموسيقي والموسيقى التصويرية. وتذكر أنه جعل المقطوعة الموسيقية حاضرة في الذاكرة الجماهيرية المصرية دون الحاجة إلى صوت مطرب أو كلمات، وأنه قدم للموسيقى التصويرية مكانة خاصة من خلال أعماله للسينما والدراما، مع الجمع بين عناصر من الموسيقى الشرقية والتقنيات والتكوينات الأوركسترالية الحديثة.
وفي مجال الموسيقى التصويرية والتأليف الموسيقي، تعرض المادة تجربة راجح داوود بوصفها مرحلة مهمة في تطور الموسيقى المصرية. وتوضح أنه ارتبط بعدد كبير من الأفلام خصوصًا أعمال المخرج داوود عبد السيد، وأن الموسيقى لم تكن مجرد خلفية للمشهد بل عنصرًا أساسيًا في بناء الحالة النفسية والشخصيات والعالم البصري للفيلم.
وتخلص المادة إلى أن رحلة الموسيقى المصرية من سيد درويش إلى القصبجي وعبد الوهاب والسنباطي ثم محمد فوزي والموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي وصولًا إلى عمر خيرت وراجح داوود تكشف أن التجديد لم يكن نقيضًا للهوية المصرية، بل إحدى الوسائل التي حافظت بها الموسيقى على حضورها وقدرتها على التعبير عن كل عصر.
